ألمانيا.. معجزة اقتصادية فرضت نفسها بقوة في العالم

بدأ الاقتصاد الألماني يعتمد على الزراعة فكانت في 1800 تشكل منطقة ريفية كبيرة، ومع حلول القرن الـ 19 بدأت مرحلة النمو الاقتصادي السريع والتحديث، بقيادة الصناعة الثقيلة،  وبحلول عام 1900 ، كان لديها أكبر اقتصاد في أوروبا، وهو عامل لعب دوراً رئيسياً في دخولها الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية.

وخلال القرن الـ 20 شكل الاقتصاد الألماني أكبر اقتصاد فردي في الاتحاد الأوروبي حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي حوالي 3 تريليون دولار أمريكي.

ويعتمد الاقتصاد الألماني بدرجة كبيرة على الصادرات، خاصة تلك المعتمدة على التصنيع الحديث.

المانيا بعد الحرب العالمية الثانية

في عام 1949 تم تقسيم ألمانيا إلى دولتين غربية وشرقية، وعُرف الجزء الغربي بالجمهورية الفيدرالية الألمانية، نظراً لخضوعها لدول الحلفاء بريطانيا والولايات المتحدة، أما المنطقة الشرقية فخضعت للحكم السوفيتي والمعروف بالجمهورية الديمقراطية الألمانية الشيوعية.

وجاء التقسيم بعد هزيمة أدولف هتلر في الحرب العالمية الثانية عام 1945 وتقسيم ألمانيا إلى مناطق احتلال.

واتجه كل من الدول الجديدة للانضمام إلى الحلف المعبر عن آراء الحكم الذي يخضع له، فانضمت ألمانيا الشرقية إلى ميثاق وارسو، وألمانيا الغربية إلى حلف الناتو وبعدها بعامين انضمت إلى الاتحاد الأوروبي.

واستمر الابتعاد بين الدوليتين الذي تم استحداثهم، ففي عام 1969 أعلنت ألمانيا الشرقية أن اتحاد البلدين مستحيل حتى يعتنق القسم الغربي المذهب الاشتراكي.

وأصبحت ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، "معجزة اقتصادية" في الخمسينات والستينات من القرن العشرين مع " فيرتشافت فاندر"، الذي أطلقه الاقتصاد الحديث حديثًا تحت توجيهات صارمة من المستشار الألماني كونراد أديناور ووزير الاقتصاد لودفيغ إيرهارد ، وبمساعدة خطة مارشال ، من بين عوامل أخرى.

حائط برلين

في عام 1961 تم بناء ما يُعرف بـ"حائط برلين" ليفصل بين الدولتين الناشئتين، والذي هُدم بعد نحو 30 عاماً من هذا التاريخ.

وتمكن الاقتصاد الألماني من وقت بناء الجدار وحتى 10 سنوات من أن يحقق نمو اقتصادي بنحو 8%، وهو ضعف النمو في بريطانيا والولايات المتحدة وبالقرب من ضعف النمو في فرنسا، كما نمت التجارة بمقدار 3 أمثال.

وعلى الرغم من العثرات الاقتصادية التي شهدها الاقتصاد الألماني في بعض الأوقات خلال عامي 1973 و1974 فإن الاقتصاد الألماني اتبع نهجاً تصاعدياً، ولم يقتصر الأداء الاقتصادي القوي على ألمانيا الغربية فقط، فتمتعت ألمانيا الشرقية بوضع اقتصادي قوي قبل الحرب العالمية مكنها من إعادة بناء قوتها الاقتصادية.

فعبر البنية التحتية الصناعية القوية التي استطاعت الاستمرار ومستوى التعليم العالي، تمكنت ألمانيا الشرقية من تطوير الاقتصاد والنهوض بمستوى المعيشة إلى مستويات أعلى بكثير من معظم البلدان الاشتراكية الأخرى.

وأصبحت ألمانيا الشرقية هي المورد الرئيسي للمعدات الصناعية المتقدمة للدول الشيوعية، لكن على الرغم من ذلك كانت جودتها رديئة وتسببت في مشاكل للبيئة.

وتحتفل ألمانيا بعد هدم جدار برلين والتي كان بموجبه مقسمة إلى دولتين شرقية وغربية، في  أكتوبر من عام 1989، بعدما تظاهر عشرات الآلاف في ألمانيا الشرقية ضد نظامها في تحركات شعبية، كانت إيذانا بميلاد عهد جديد.

الاقتصاد الألماني

حققت ألمانيا نمواً اقتصادياً في الربع الثاني من 2019 بنحو 0.6% على أساس فصلي بدعم نمو الاستهلاك الخاص الذي ارتفع بنسبة 0.8%.

كما استطاعت ألمانيا على مدار النصف الأول من 2019 من تحقيق ثاني أعلى فائض في موازنتها، حيث سجلت 18.3 مليار يورو، هو أفضل مستوى منذ النصف الثاني لـ2000.

وفي 2016 احتلت ألمانيا المركز الأول كأكثر دولة في العالم تمتلك فائض في حسابها الجاري عند 289 مليار دولار.

ويعتمد الاقتصاد الألماني بدرجة كبيرة على الصادرات، خاصة تلك المعتمدة على التصنيع الحديث، حيث أظهر تقرير لمنظمة التجارة العالمية أن ألمانيا في المرتبة الثالثة في قائمة أكثر دول العالم استحواذاً على حصة تصديرية، بعد الصين والولايات المتحدة.

أما على مستوى سوق العمل فألمانيا الآن تقف عند مستوى قياسي بالنسبة لمعدل البطالة، حيث سجل 5.6% في شهر سبتمبر 2019، كما أن الدولة الأوربية هي أقل دول منطقة اليورو من حيث معدلات البطالة.

الزراعة

 

تعد ألمانيا ثالث أكبر البلدان إنتاجاً للمنتوجات الزراعية في الاتحاد الأوروبي بعد فرنسا وإيطاليا، فمن ضمن الزراعات كانت البطاطا والقمح والشعير والسكر، والفواكه، والكرنب.

ففي عام 2008 كانت الزراعة، الغابات والتعدين تمثل فقط 0.9% من اجمالي الناتج المحلي، ويعمل بها فقط 2.4% من السكان، حيث تغطي ألمانيا 90 ٪ من الاحتياجات الغذائية مع الإنتاج المحلي.

السيارات

تتفوق ألمانيا في صناعة السيارات فهي تعد ثالث أكبر منتج للسيارات بعد الولايات المتحدة واليابان، حيث تمثل الصناعة في عام 2008 نحو 29% من الناتج المحلي الإجمالي، ويعمل 29.7 ٪ من القوة العاملة في الصناعة.

القطاع الصناعي

تصل مساهمة القطاع الصناعي في إجمالي القيمة المضافة في ألمانيا إلى 22,9 %، وهي النسبة الأعلى بين بلدان مجموعة السبعة الكبار G7. والنشاطات الصناعية الأقوى هي في مجال صناعة الطائرات والصناعات الإلكترونية وبناء الآلات والصناعات الكيميائية.

التصدير المرتفعة

تنتمي ألمانيا إلى جانب الصين والولايات المتحدة إلى أكبر الدول المصدرة في العالم. في 2017 وصل حجم الصادرات الألمانية من السلع إلى 1278,9 مليار يورو. كما وصلت نسبة التصدير الإجمالية إلى ما يقرب من 40 في المائة، وزادت في قطاع الصناعة عن 50 في المائة.

الانفتاح الاقتصادي

بالقياس إلى أهمية التجارة الخارجية بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي (BIP) فإن ألمانيا تعتبر صاحبة الاقتصاد الأكثر انفتاحا بين دول مجموعة السبعة الكبار G7. حيث تقع نسبة التجارة الخارجية عند معدل 84,4 %، وهي مجموع الصادرات والمستوردات بالمقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي. للمقارنة: تصل هذه النسبة في الولايات المتحدة إلى 26,7 %.

الشركات المتوسطة

القلب النابض للاقتصاد الألماني هو الشركات المتوسطة الحجم. والمقصود بهذا هو الشركات التي لا يتجاوز حجم مبيعاتها السنوية 50 مليون يورو، ولا يزيد عدد العاملين فيها عن 500 إنسان.

 وتشكل هذه الشركات 99,6 % من الشركات الألمانية. أكثر من 1000 شركة منها تعرف بما يسمى "الأبطال الخفيون"، حيث أنها غالبا ما تكون مجهولة الأسماء على المستوى العام، رغم أنها من الشركات الرائدة عالميا في مجالاتها.

المعارض

مشهد المعارض الألمانية هو صاحب الصدارة على المستوى العالمي، في إقامة وتنظيم المعارض الدولية. ثلثا الأحداث العالمية المهمة في هذا المجال يتم تنظيمها في ألمانيا. ويصل عد زوار حوالي 150 معرضا دوليا في العام إلى حوالي عشرة ملايين زائر.

القوى العاملة

تقترب ألمانيا من مستوى التشغيل الكامل. ففي حزيران/يونيو 2018 وصل عدد العاطلين عن العمل إلى 2,2 مليون إنسان. وهو أدنى رقم يتم تحقيقه منذ عودة الوحدة الألمانية. أكبر أرباب العمل الألمان هم شركات فولكسفاغن (642000 موظف في أنحاء العالم)، شركة البريد دويتشة بوست (519000)، روبرت بوش (402000)، مجموعة شفارتس (تجارة، 400000)، سيمنز (372000).

التجارة

يظهر تفوق الاقتصاد الألماني بشكل أكبر في الجانب التجاري، فألمانيا هي ثالث أكبر مصدر للسلع في العالم بعد الصين والولايات المتحدة، وحجم صادراتها في العام الماضي تجاوز حاجز التريليون و 560 مليار دولار في 2018، أي ما يعادل ثمانية في المئة من حجم الصادرات العالمية.

ويرجع حجم الصادرات الكبير إلى دور القطاع الصناعي الذي يشكل نحو 31 في المئة من الاقتصاد، وهي من أعلى النسب المسجلة بالاقتصادات المتقدمة، فيما تشكل الشركات الصناعية الألمانية نحو 10 في المئة من الشركات الأوروبية العاملة في القطاع الصناعي.

ويأتي قطاع السيارات في مقدمة الأنشطة الصناعية بألمانيا، حيث تتجاوز إيراداته السنوية 400 مليار دولار، ويستحوذ على 21 في المئة من إجمالي صادرات السيارات العالمية.

السياحة

وصل حجم مبيعات قطاع السياحة السنوية إلى 290 مليار يورو خلال عام 2015، فكان الجزء الأكبر من نصيب قطاع الضيافة والمطاعم بحوالي 18 %، و 14 % من المبيعات جاء من الزوار القادمين من خارج البلاد،

وبنسبة تصل إلى 3,9 % من مجمل القيمة المضافة يتقدم قطاع السياحة على كل من قطاع بناء الآلات 3.5% وقطاع تجارة التجزئة 3.3%.

وأحصى مركز السياحة الألماني في عام 2017 نحو 84  مليون ليلة سياحية لزوار أجانب في الفنادق والنزل وأماكن المخيمات وهو رقم قياسي للمرة الثامنة على التوالي، وتأتي غالبية السياح من هولندا 11,2 مليون ومن سويسرة 6,7 مليون والولايات المتحدة 6,2 مليون.

 

مخاوف تهدد الاقتصاد الألماني

يعاني أكبر اقتصاد في العالم من مشاكل متعلقة بالأجور، فمقياس عدم المساواة وهو المقياس الذي يمتد من صفر إلى واحد، ويشير العدد صفر في المقياس إلى أن كل فرد في الدولة له نفس الدخل في حين يشير رقم واحد إلى أن كل فرد لديه دخل يختلف عن الشخص الآخر أوضح أن ألمانيا تقف فيه عند مستوى 0.29 نقطة في 2015.

أما على مستوى الفارق بين الأغنياء والفقراء في ألمانيا فهو آخذ في الاتساع، وكشفت دراسة عن المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية أن ثلث الدخل يمتلكه 10% فقط من الألمان.

حجم الاقتصاد

تجاوز حجم الاقتصاد الألماني اليوم الأربعة تريليونات دولار، مما يجعل منه الاقتصاد الأكبر في أوروبا ورابع أكبر اقتصاد في العالم مع استحواذه على نحو 5 % من الناتج المحلي العالمي.

ويعد السوق الألماني في الوقت نفسه أكبر سوق استهلاكي في أوروبا بعدد مستهلكين يقارب 83 مليون مستهلك، أي مايعادل 16 في المئة من سكان الاتحاد الأوروبي، وهو موطن لنحو 3 ملايين ونصف المليون شركة تتجاوز عوائدها السنوية حاجز سبعة تريليونات دولار.

 

مستقبل الاقتصاد الألماني

يرى الخبراء أن ألمانيا تواجه تراجع اقتصاديا ملحوظًا خلال الفترة الحالية بفعل تباطؤ اقتصادات الدول الناشئة، وهو ما يهدد الاقتصاد الأوروبي بأكمله، بالإضافة إلى حالة عدم اليقين الناتجة عن تدفق المهاجرين، والخروج المحتمل لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وأشار تقرير نشرته “نيويورك تايمز” إلى أن تراجع نشاط التعدين في الصين وهبوط الموارد المالية لدول الشرق الأوسط، وانخفاض القدرة الشرائية لمعدات الطاقة من جانب روسيا أثر سلبًا على الاقتصاد الألماني.

وتراجع إجمالي الصادرات الخاصة بمعدات التعدين الألمانية من 6.2 مليار يورو في عام 2012 إلى 3.5 مليار يورو في عام 2015.

من شأن ضعف الاقتصاد الألماني أن يؤدي لعواقب اقتصادية على أوروبا بأكملها، حيث إن نجاة منطقة اليورو من أزمة الديون الأخيرة جاء بدعم قوة الاقتصاد الألماني، مع حقيقة مساهمة برلين بأكثر من ربع تمويل آلية الاستقرار الأوروبي وصندوق الإنقاذ الذي منع انهيار اليونان.

نجح المستهلكون في ألمانيا في إنقاذ صناعة السيارات الأوروبية إبان التراجع الكبير المسجل في عام 2009، حيث إن الألمان قاموا بشراء سيارات منتجة في دول أوروبية أخرى، مثل “فيات” الإيطالية و”رينو” الفرنسية.

تباطؤ الأسواق الناشئة

كانت ألمانيا تمثل بالنسبة للبلدان النامية ما يمكن اعتباره “مركزا تجاريا كبيرا” خلال العقد الماضي، حيث وفرت برلين كل ما تطلبه الأسواق الناشئة من منتجات صناعية تحتاجها.

شكل ارتفاع الطلب في الصين وروسيا والبرازيل ودول أخرى نقطة قوة لألمانيا أمام الصعوبات الاقتصادية في الدول المجاورة لها، حيث إنه مع ارتفاع معدل البطالة في إسبانيا إلى أكثر من خمس قوة العمل بلغ المعدل في ألمانيا 4.3% فحسب.

استفادت ألمانيا من ارتفاع الطلب الصيني على السيارات بشكل خاص، مع حقيقة أن هذا القطاع هو أكبر أسواق الصادرات الألمانية، لكن ظهرت إشارات على الاضطراب، مع توقعات تباطؤ نمو الطلب الصيني على المركبات إلى 4% خلال العام الحالي، ما يمثل نصف النمو المسجل في 2015.

كما تسبب الاضطراب في الشرق الأوسط في أزمة للاقتصاد الألماني، مع الحرب الأهلية في سوريا وتراجع أسعار النفط والقوة الشرائية في بعض الدول، ما نتج عنه انخفاض الصادرات الألمانية إلى الدول المصدرة للنفط بنسبة 7% خلال العام الماضي.

النمو الالماني 2020

أظهرت البيانات الرسمية، انخفاض النمو الاقتصادي الألماني في عام 2019، ما قد يجدد الجدل حول كيفية استخدام الفائض المالي لتعزيز إجمالي الناتج المحلي.

ولم يتجاوز نمو اقتصاد أكبر قوة اقتصادية في أوروبا 0.6 % في 2019، مقارنة مع 1.5 % في 2018، بحسب ما أفادت هيئة الإحصاءات «ديستاتيس» في أرقامها الأولية، وهي أقل وتيرة توسع منذ 2013، وتشير إلى تباطؤ عن العام السابق.

وصرحت هيئة «ديستاتيس» في فبراير 2020، بأن إجمالي الفائض على جميع مستويات الحكومة - المحلية، الإقليمية والفيدرالية - وصل إلى 49.8 مليار يورو (55.4 مليار دولار)، أو 1.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وذلك بعد أن سجل 62.4 مليار يورو، أو 1.9 في المائة في العام السابق.

 وارتفعت الصادرات بنسبة 0.9 % في 2019  بعد زيادة 2.1 % في 2018، بينما ارتفعت الواردات 1.9 % بعدما قفزت 3.6 %، ويعني هذا أن صافي التجارة كان له تأثير سلبي على النمو الاقتصادي الكلي في العام الماضي.

الاستثمارات الالمانية في مصر

وصل حجم الاستثمارات الألمانية المباشرة فى مصر بلغت نحو 7.4 مليار دولار حتى نهاية شهر يونيو 2018، حيث يوجد فى مصر 1215 شركة ألمانية تعل فى قطاعات البترول، والمواد الكيماوية، وصناعة السيارات، والاتصالات، والحديد والصلب، والغاز، ومكونات السيارات.


طباعة  

Related Articles