مزايا ومقومات تحول دون تأثر الاقتصاد الروسي بالأزمات العالمية

روسيا بلد عسكري ذات اقتصاد واعد، وهي واحدة من أكبر الأسواق حول العالم، حيث يأتي الاقتصاد الروسي بالمرتبة الـ 11 كأكبر اقتصادات العالم، ولازال يقف صامدًا رغم الأزمات العالمية.

وعلى الرغم من أن مساحة روسيا تمثل 11.2% منمساحة الكرة الأرضية ، إلا أنها لا تساهم إلا بنسبة 1.1% فقط من الناتج القومي العالمي.

الاقتصاد الروسي

رغم تمسك الدولة بسيطرتها على قطاعي الطاقة والدفاع وعدم السماح بخصخصتهما حتى الآن، إلا أن المناخ العام يشهد زيادة في الاستثمارات خاصة بعد إصلاحات السوق في التسعينيات التي خصخصت جزءًا كبيرًا من استثمارات الصناعة والزراعة.

واعتبارًا من 2012، مثّل قطاعًا النفط والغاز 16٪ من الناتج المحلي الإجمالي، 52٪ من عائدات الميزانية الفيدرالية وأكثر من 70٪ من إجمالي الصادرات.

تتوافر في روسيا عوامل الجذب الاستثماري بدءًا من الجغرافيا الشاسعة، والمناخ المعتدل والموارد الطبيعية حيث تقدر بعض المصادر أن روسيا تحتوي على أكثر من 30 في المائة من موارد العالم الطبيعية، ويقدر البنك الدولي القيمة الإجمالية للموارد الطبيعية في روسيا بـ 75 تريليون دولار أمريكي.

تساهم موسكو بنسبة مرتفعة في الناتج المحلي الإجمالي، ما أعطى انطباعا بتفاوت التنمية الاقتصادية في البلاد جغرافيا، كما أن الاقتصاد الروسي يعاني من سوء تويع الثروة الذي وُصف بأنه "متطرف جدا بالمقارنة مع البلدان الأخرى منذ عام 1990"،وتقدر إحدى الدراسات أن "ثروة الأغنياء الروس التي يحفظونها في الخارج تبلغ حوالي ثلاث أضعاف صافي الاحتياطيات الأجنبية الرسمية، وتماثل تقريبا إجمالي الأصول المالية للأسر الروسية المحفوظة في روسيا."

 

 

القطاعات الأكثر نشاطًا

تمتلك روسيا وفرة من النفط والغاز الطبيعي والمعادن النفيسة، والتي تشكل حصة كبيرة من صادرات روسيا، كما أن عائدات قطاع الطاقة مصدر أساسي للدولة لدفع معظم نموها، ما جعل روسيا تعتبر "قوة عظمى في مجال الطاقة"، بما لديها من أكبر احتياطي غاز طبيعي مؤكد في العالم وتعد أكبر مصدر للغاز الطبيعي، وثاني أكبر مصدر للنفط.

صناعة الأسلحة في روسيا هي صناعة استراتيجيةوكبيرة ومتطورة، فهي بلد قادرة على تصميم وتصنيع معدات عسكرية عالية التقنية، بما في ذلك طائرة مقاتلة من الجيل الخامس، وغواصات تعمل بالطاقة النووية، والأسلحة النارية، وصواريخ باليستية قصيرة المدى/طويلة المدى.

وبحسب تقرير صادر عن معهد ستوكهولم لبحوث السلام (سيبري)، تغيرت خريطة مبيعات السلاح حول العالم بنمو مبيعات السلاح الروسي بنهاية 2017 لتتخطى بريطانيا للمرة الأولى، وتأتي في المركز الثاني بعد الولايات المتحدة الأمريكية التي استحوذت كالعادة على نصيب الأسد من المبيعات.

يعتمد اقتصاد روسيا على النفط والغاز، إذ يمثلان 60% من الصادرات، ففي عام 2013، سجلت قيمة صادرات الأسلحة الروسية 15.7 مليار دولار، وشملت الطائرات القتالية وأنظمة الدفاع الجوي والسفن والغواصات.

 

إشادات عالمية

حصل الاقتصاد الروسي على إشادات دولية عقب تسجيله طفرة في النمو، وبحسب احصائيات العام 2018، فقد بلغ معدل التضخم 2.8% في وقت تقف البطالة عند 4.5%، مع ناتج محلي يقدر بـ1.6 تريليون دولار، ومعدل نمو بلغ 2.3%،وتقدر الاحتياطيات الأجنبية الروسية بـ460 مليار دولار، بينما سجل الناتج المحلي الإجمالي 1.64 تريليون دولار في 2018 

وعلى الرغم من مشكلة الزيادة السكانية المتزايدة، حيث بلغ عدد سكانها 144 مليون نسمة، إلا أن نصيب الفرد الواحد من الناتج المحلي الإجمالي يبلغ نحو 11.32 ألف دولار أمريكي، وتُصنف ضمن الدول ذات الأجور المرتفعة، مع العلم بأن 13% من الشعب الروسي يعيش تحت خط الفقر.

وأشارت تحليلات صندوق النقد الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي، إلى نمو الاقتصاد الروسي وتحقيقه مؤشرات إيجابية، وتبني الحكومة أطر سليمة أنعشت الاقتصاد الكلي،وبحسب التقرير السنوي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، بعنوان تقرير التنافسية العالمي 2019، احتلت روسيا المرتبة السادسة عالميًا من أصل 141 اقتصادًا حول العالم في مؤشر حجم السوق، وهو واحد من 12 مؤشرًا يبني عليها ترتيب دول العالم في تقرير التنافسية 

كما جاءت روسيا في المرتبة 22 عالميا من أصل 141 اقتصادا حول العالم في مؤشر اعتماد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إذ تتبنى موسكو التكنولوجيا كأحد أدوات التنمية الاقتصادية الشاملة.

ورأى صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد الروسىبدأ يظهر نمواً معتدلاً، في ظل سياسات الاقتصاد الكلي السليمة، لينمو بنسبة 2.3% في2018، مدعوما بالنمو في الأجور الحقيقية وارتفاع الطلب على العمالة، بينما سجل الاستثمار زيادة معتدلة مقارنة بالعام السابق، بعد بلوغه أدنى مستوياته التاريخية في وقت مبكر من 2018. 

وكانت توقعات أشارت إلى أن الاقتصاد الروسي سينمو بـ1.2% في 2019، بفعل الإنفاق الذي تنفذه الحكومة الروسية على البنية التحتية العامة في إطار المشاريع الوطنية، إلى جانب زيادة المعروض من العمل بسبب إصلاح المعاشات التقاعدية، ما يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على معدل نمو الناتج المحتمل. 

وتتبنى الحكومة الروسية سياسات إصلاحية لدعم الاقتصاد الكلي، مما ساعد على الحد من عدم اليقين في السياسات، والتخفيف من آثار الصدمات الخارجية، وإصلاح نظام التقاعد وخططهم لزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم والبنية التحتية.

وفي إحدى لقاءاته، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن روسيا المعاصرة تمكنت من إنشاء بنية اقتصادية وصناعية قوية خلال العقدين الأخيرينولم تعد تعيش على تركة الاتحاد السوفيتي، مشيرًا إلى أن 75٪ من الطاقات في الصناعات التحويلية تم إنشاؤها منذ العام 2000.

وذكر أن موسكو تمكنت من بناء 3 مطارات جديدة و12 محطة قطار وازداد طول الطرق الفدرالية من 39 إلى 80 ألف كيلومتر خلال العقدين الأخيرين، إضافة إلى بناء العديد من المجمعات في قطاع الغاز والطاقة، كما أنه في قطاع الزراعة كان الاتحاد السوفيتي يستورد القمح، بينما أصبحت روسيا تصدره بكمية أكبر من الولايات المتحدة وكندا.

 

القطاع المصرفي الروسي

مرّ القطاع المصرفي بأزمات متتالية، حيث خسر الروبل الروسي 50% من قيمته في 5 أعوام، عقب تعافيه النسبي من أزمته الكبرى المعروفة باسم "أزمة روبل أو الانفلونزا الروسية" والتي بدأت في باتخاذ الحكومة الروسية والبنك المركزي الروسي قرارًا بتخفيض قيمة الروبل والتخلف عن سداد الديون الحكومية، ما أدى إلى انهيار في الاقتصاد وآثار خطيرة على اقتصادات العديد من البلدان المجاورة.

وفي سبيل التصدي للأزمةالتي تسببتفي العقوبات التي تشهدها روسيا، اتخذت البنوك الروسية نهجًا مختلفًا لتنويع أصولها، وعاودت روسيا انتعاشها المالي في وقت قياسي نتيجة ارتفاع أسعار النفط العالمية بسرعة خلال الفترة 1999-2000 ما ساهم في تحقيق موسكو فائض تجاري كبير خلال تلك الفترة، كما أن الصناعات المحلية، مثل تجهيز الأغذية، قد استفادت من تخفيض قيمة العملة، والذي تسبب في زيادة حادة في أسعار السلع المستوردة. 

ومعانتعاش أسعار النفط في ظل المخاوف بشأن الأوضاع في سوريا شكل ذلك دعمًا قويًا للعملة الروسية، والتي تعافت خلال 2018، وارتفعت مقابل الدولار بنسبة 0.50% إلى 62.123 روبل، وقفز مجددا خلال 2019 بنسبة 1% أمام العملة الأمريكية إلى 63.47 للدولار، وهو أعلى مستوى له في 3 أشهر، وأمام العملة الأوروبية، ارتفع الروبل 0.88% إلى 70.87 لليورو.

ومع بداية 2020، وتفشي فيروس كورونا، انخفض مؤشر بورصة موسكو للأسهم المقومة بالروبل بنسبة 4.36 في المائة، والمؤشر للأسهم المقومة بالدولار بنسبة 5.10 في المائة، وفي سوق العملات تراجع الروبل أمام العملات الرئيسية، وحذر محللون من احتمال انهيار سعر صرف العملة الروسية حتى 70 روبلا لكل دولار.

 وارتفع سعر صرف العملة الأميركية بنسبة 1.6 في المائة، حتى 67.057 روبل للدولار، وهي المرة الأولى التي يتراجع فيها الروبل بهذا الشكل منذ سبتمبر (أيلول) العام الماضي. أما العملة الأوروبية فقد ارتفعت بنسبة 1.35 في المائة، حتى 73.37 روبل لليورو.

 

 

كورنا والاقتصاد الروسي

يواجه الاقتصاد الروسي مخاوف أثرت تأثيرًا طفيفًا على اقتصاده ولازالت تهدد الطموحات الروسية، على رأسها العقوباتالمفروضة على البلاد منذ قرابة الست سنوات، وتفشي فيروس كورونا عالميًا والذي تطلب غلق المطارات وتقليل الصادرات وإغلاق المزيد من الأسواق العالمية.

وعلى الرغم من العقوبات، ضخ العديد من المستثمرين الأجانب في الاقتصاد الروسي، خلال العام 2019، حوالي 21 مليار دولار، ولازال الاستقرار الاقتصادي مؤشر ثقة لدى المستثمرين. ويرى الخبراء أن روسيا تمكنت من التكييف مع العقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة عليها منذ عام 2014.

ووفقالنتائج البحث الذي أجرته شركة المحاسبة العالمية "KPMG"، أن النسبة الأكبر من الاستثمارات الأجنبية في روسيا، ضختها شركات من منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتقدربحوالي 8.2 مليار دولار خلال عام 2019، بالمقارنة بـ 3.4 مليار دولار في عام 2018.

وارتفعت مساهمة المستثمرين الأمريكيين في الاستثمارات الروسية، حيث ارتفعت استثماراتهم من 200 مليون دولار خلال عام 2018، إلى 3.4 مليار دولار في عام 2019، في حين خفض الأوروبيون رصيد استثماراتهم في روسيا من 5.9 مليار دولار إلى 2.6 مليار دولار، في الفترة ذاتها.

أما عن تفشي فيروس كورونا، ورغم تأكيد الرئيس الروسي على أن الاقتصاد العالمي برمته بدأت يشعر بالعواقب السلبية لانتشار الفيروس، إلا أن الدولة العسكرية أعلنت امتلاكها إمكانيات قوية للحفاظ على استقراره.

وأشار بوتين خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين لبحث قضايا سوق النفط والغاز العالمي، إلى أن الأسبوع الماضي كان الأسوأ بالنسبة للأسواق العالمية منذ أزمة العام 2008،

ومع انهيار مؤشرات الاقتصاد الصيني إلى ما دون مؤشرات العام 2008 وتراجع مؤشرات البورصات العالمية بواقع أكثر من 10% وانخفاض سعر خام برنت إلى 50 دولارا للبرميل مقابل 70 دولارا مطلع العام الجاري، قال بوتن "أريد التشديد على أن الميزانية الروسية والاقتصاد الروسي قادران على تحمل أسعار النفط بمستواها الحالي".

وكعادة الدولة العسكرية، رفضت روسيا الاستسلام للعقبات، واعتبر بوتن أنه "من الصعب اليوم التنبؤ بمدى استمرارية هذه النزعة، لكن على أية حال يتعين علينا الاستعداد لمواجهة مختلف السيناريوهات مهما كانت". وأضاف أن "الاحتياطات المالية التي تم ادخارها، بما فيها تلك الموجودة في صندوق الرفاه القومي، كفيلة بضمان الاستقرار وتنفيذ كافة التزامات الدولة المالية الاجتماعية، حتى في ظل التدهور المحتمل لأوضاع الاقتصاد العالمي".

وذكر بوتين أن الاحتياطات الدولية للبنك المركزي الروسي تبلغ اليوم 563 مليار دولار، إضافة إلى 124 مليار دولار في صندوق الرفاه القومي.

 

 

طباعة  

Related Articles